ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )

74

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )

[ أمثلة ما اختلفوا فيه في التأويل ] ( المثال الأول : في الاستواء ) ( تأويل الاستواء : بالإقبال ) المثال الأول : تأول قوله تعالى : خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ( الفرقان : 59 ) بأنه أقبل على خلقه ، فهذا إنشاء منهم لوضع لفظ اسْتَوى على ( أقبل ) وهذا لم يقله أحد من أهل اللغة ؛ فإنهم ذكروا معاني اسْتَوى ، ولم يذكر أحد منهم في معانيه الإقبال على الخلق . فهذه كتب اللغة طبقت الأرض لا تجد أحدا منهم يحكى ذلك عن اللغة . وأيضا فإن استواء الشيء والاستواء إليه والاستواء عليه يستلزم وجوده ووجود ما نسب إليه الاستواء بإلى أو بعلى ، فلا يقال : استوى إلى أمر معدوم ولا استوى عليه . فهذا التأويل إنشاء محض لا إخبار صادق عن استعمال أهل اللغة . ( تأويل الاستواء : بالاستيلاء ) وكذلك تأويلهم الاستواء بالاستيلاء ؛ فإن هذا لا تعرفه العرب من لغتها ؛ ولم يقله أحد من أئمة اللغة . وقد صرح أئمة اللغة كابن الأعرابي وغيره بأنه لا يعرف في اللغة . ولو احتمل ذلك لم يحتمله هذا التركيب ، فإن استيلاءه سبحانه وغلبته للعرش لم يتأخر عن خلق السماوات والأرض ، فالعرش مخلوق قبل خلقهما بأكثر من خمسين ألف سنة ، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلى اللّه عليه وسلم فيما صح عنه . وبطلان هذا التأويل من أربعين وجها سنذكرها إن شاء اللّه في موضعها من هذا الكتاب « 1 » .

--> ( 1 ) ونضيف هنا جملة ذكرها المصنف في « اجتماع الجيوش » فقال : قوله تعالى : ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يتضمن إبطال قول المعطلة والجهمية الذين يقولون : ليس على العرش شيء سوى العدم ، وإن اللّه ليس مستويا على عرشه ،